لا يقتصر العمل في كثير من مشاريع التعدين على الوردية النهارية؛ إذ قد تعمل آليات النقل والشاحنات القلابة ومعدات التحميل على مدار الساعة حتى يستمر برنامج الإنتاج دون انقطاع. ومع ذلك، يُعد العمل في الوردية الليلية من أهم أسباب زيادة التعب وانخفاض يقظة سائقي آليات التعدين.
فالسائق الذي يقضي ساعات طويلة خلف مقود الشاحنة القلابة عليه أن يراقب في الوقت نفسه طريق النقل وحالته والمسافة عن الآليات الأخرى وظروف التحميل والتفريغ. وحتى التراجع القصير في التركيز قد يزيد احتمال وقوع حوادث تشغيلية.
لذلك فإن إدارة تعب سائقي المناجم ليست مسألة تتعلق بصحة العاملين فحسب، بل هي جزء من برنامج السلامة وإدارة المخاطر واستدامة العمليات في المنجم.
لماذا يكون تعب السائق أخطر في الوردية الليلية؟
يعمل جسم الإنسان وفق دورة طبيعية للنوم واليقظة تُعرف بالإيقاع اليومي (Circadian Rhythm). وفي ساعات الليل، ولا سيما من منتصف الليل حتى الصباح الباكر، تزداد رغبة الجسم الطبيعية في النوم.
وفي هذه الظروف، قد يعاني حتى السائقون ذوو الخبرة الطويلة في تشغيل آليات التعدين من ضعف التركيز وبطء ردود الفعل وتراجع القدرة على اتخاذ القرار.
ووفقًا لإرشادات المعهد الوطني الأمريكي للسلامة والصحة المهنية (NIOSH)، يمكن أن يؤثر التعب المرتبط بالعمل في سرعة رد الفعل والتركيز والذاكرة قصيرة المدى والقدرة على التقدير.
وتزداد أهمية هذه المسألة في بيئة المنجم، لأن الشاحنات القلابة وغيرها من الآليات الثقيلة تعمل على طرق قد تتضمن منحدرات شديدة ومنعطفات كثيرة وتغيرات في سطح الطريق ونقاطًا محدودة الرؤية.
تخيّل مثلًا سائق شاحنة قلابة يقترب من نقطة التفريغ في الساعات الأخيرة من الوردية الليلية. إذا جعله التعب يخطئ في تقدير المسافة أو السرعة، يزداد احتمال الاصطدام بالمعدات أو الخروج عن المسار.

أهم علامات التعب والنعاس لدى سائقي المناجم
لا يبدأ التعب دائمًا بالنوم خلف المقود؛ ففي حالات كثيرة يمكن ملاحظة علاماته الأولى قبل وقوع الحادث.
1. الرمش الطويل وبقاء العينين مغمضتين
من العلامات الشائعة للنعاس ازدياد مدة إغماض الجفون. وقد يشعر السائق بأنه أغمض عينيه للحظة فقط، لكن هذا الانقطاع القصير بالغ الأهمية في ظروف تشغيل عالية المخاطر.
ويُعد مؤشر PERCLOS، الذي يقيس النسبة الزمنية لإغماض الجفون خلال فترة محددة، من الأساليب المستخدمة في الأبحاث وفي بعض أنظمة كشف النعاس.
2. التثاؤب المتكرر وتراجع اليقظة
قد يدل التثاؤب المتكرر وثقل العينين وصعوبة الحفاظ على التركيز على تزايد التعب.
غير أن التثاؤب وحده ليس معيارًا قاطعًا لتشخيص النعاس، ويجب تقييمه إلى جانب العلامات الأخرى وظروف العمل.
3. ضعف التركيز على مسار الحركة
قد يكون أداء السائق المتعب أضعف في رصد العوائق والانتباه إلى إشارات التحذير والحفاظ على مسافة آمنة ومتابعة تغيّرات المسار.
ويمكن أن يكون ذلك خطرًا على طرق النقل في المنجم التي تتحرك فيها الآليات الثقيلة ومركبات الدعم.
4. التأخر في الاستجابة للمواقف غير المتوقعة
ومن الآثار المحتملة الأخرى للتعب التأخر في الفرملة أو في خفض السرعة أو اتخاذ قرار غير مناسب عند مواجهة عائق.
وفي عمليات التعدين، قد يقلّص التأخر في الاستجابة الوقت المتاح لمنع وقوع حادث.
5. تغيّر السلوك وتكرار الأخطاء
قد يرتبط أيضًا ازدياد الأخطاء البسيطة ونسيان التعليمات والقلق وسرعة الانفعال وانخفاض الدقة في أداء المهام بالتعب.
وينبغي لمشرفي الورديات أن يأخذوا هذه العلامات على محمل الجد، وألا يعدّوها مجرد ضعف في الأداء الفردي.
ما العوامل التي تزيد تعب سائقي المناجم؟
تعتمد شدة التعب على مجموعة من الظروف الفردية والتشغيلية.
ومن أهم هذه العوامل طول ساعات العمل وعدم كفاية الراحة بين الورديات. فالسائق الذي لا يجد فرصة كافية للنوم الجيد قد يبدأ الوردية التالية وهو يعاني من نقص متراكم في النوم.
ومن العوامل الأخرى رتابة طرق النقل؛ إذ قد يصعّب التنقل المستمر في المسارات نفسها، خاصة في الليل، الحفاظ على اليقظة.
كما أن للظروف البيئية أهميتها؛ فاهتزاز المقصورة والضوضاء ودرجة الحرارة غير المناسبة والإضاءة غير الكافية وضغط العمل قد تزيد الشعور بالتعب.
وقد يؤدي سوء جدولة الورديات وتغيير ساعات العمل باستمرار إلى صعوبة تكيّف نمط نوم السائقين.
طرق الوقاية من تعب السائقين في الوردية الليلية
التخطيط السليم للورديات
الخطوة الأولى هي تصميم جدول الورديات بمراعاة أوقات الراحة وعدد الورديات المتتالية وساعات العمل والظروف التشغيلية للمنجم.
وعلى المديرين تجنّب الجداول التي تحدّ باستمرار من فرصة النوم الكافي، كما يجب أن تقترن الورديات الطويلة بتقييم لمخاطر التعب وراحة مناسبة.
توفير فترات راحة منتظمة
يمكن أن تساعد فترات الراحة القصيرة والمخططة في تخفيف الضغط الناتج عن العمل المتواصل.
ويجب أن يتناسب توقيت فترات الراحة وعددها مع مدة الوردية ونوع النشاط ومستوى المخاطر. وعند ملاحظة نعاس شديد، لا ينبغي اعتبار التوقف القصير أو شرب القهوة كافيًا لمواصلة القيادة.
تدريب السائقين ومشرفي الورديات
يجب أن يكون السائقون قادرين على التعرّف على العلامات الأولى للتعب والإبلاغ عن تراجع يقظتهم دون خوف من العقوبة.
كما ينبغي أن يعرف المشرفون متى يلزم إخراج السائق من العمل أو إسناد المهمة إلى شخص آخر.
تحسين ظروف المقصورة
يمكن للتهوية الجيدة والإضاءة المناسبة وضبط المقعد والتحكم في الاهتزاز والصيانة الصحيحة للمعدات أن تحسّن ظروف عمل السائق.
لكن هذه الإجراءات لا تغني عن النوم الكافي أو الإدارة الصحيحة لساعات العمل.
دور أنظمة كشف نعاس السائق في سلامة المنجم
إلى جانب الإجراءات الإدارية، يمكن لتقنيات مراقبة السائق أن تساعد في الكشف المبكر عن بعض علامات تراجع اليقظة.
وبحسب تصميمها وإمكاناتها، قد تستخدم أنظمة مراقبة السائق (Driver Monitoring System) الكاميرات ومعالجة الصور وخوارزميات الرؤية الآلية لتحليل حالة العينين وحركة الرأس وغيرها من العلامات السلوكية.
وفي نظام مزوّد بخاصية كشف النعاس، قد تشمل عملية المراقبة تحليل ملامح الوجه ورصد الحالة المشتبه بها وإصدار تنبيه داخل المقصورة وتسجيل الحدث لمراجعته من قبل مسؤولي السلامة.
ويمكن لهذه الأنظمة، عند نشرها وضبطها بشكل مناسب، أن توفر معلومات قيّمة عن أنماط الأحداث عالية المخاطر. ومع ذلك، فإن كشفها ليس قاطعًا دائمًا، وتؤثر عوامل مثل الإضاءة وزاوية الكاميرا والظروف البيئية في أدائها.
وفي بيستون كوير يزد، يندرج نظام مراقبة السائق وكشف النعاس ضمن مجموعة منتجاتنا المرتبطة بسلامة عمليات التعدين. ويجب تقييم الاستخدام العملي لهذه التقنيات إلى جانب برنامج إدارة التعب والتدريب والإشراف البشري.
كيف نقيس فاعلية برنامج إدارة التعب؟
لا يكفي تسجيل عدد تنبيهات النعاس وحده لتقييم برنامج الوقاية.
يمكن لمدير الصحة والسلامة والبيئة (HSE) دراسة اتجاه التنبيهات بحسب الوردية ومدة القيادة وساعات العمل. كما يُعد عدد الحوادث الوشيكة ومدى الالتزام بأوقات الراحة وتقارير الإبلاغ الذاتي عن التعب وعدد الإجراءات التصحيحية مؤشرات مهمة.
فعلى سبيل المثال، إذا ازداد عدد التنبيهات في وردية ما، فينبغي التحقق مما إذا كانت ساعات العمل قد طالت أو تغيّرت ظروف المسار أو لم يحصل السائقون على راحة كافية.
ويجب أن يكون الهدف من تحليل هذه البيانات تحديد عوامل الخطر وتحسين ظروف العمل، لا مجرد مقارنة السائقين أو معاقبتهم.
الخلاصة
يُعد تعب السائقين في الوردية الليلية من المخاطر المهمة في عمليات النقل بالمناجم. وقد يظهر تراجع اليقظة في صورة رمش طويل أو تثاؤب متكرر أو ضعف في التركيز أو تأخر في الاستجابة.
وتتطلب الوقاية الفعالة مزيجًا من التخطيط السليم للورديات والنوم والراحة الكافيين وتدريب السائقين وإشراف HSE والاستخدام المناسب لتقنيات المراقبة.
وبالنسبة للمناجم التي تعمل على مدار الساعة، يمكن أن تكون دراسة حلول مراقبة السائق جزءًا من برنامج شامل لإدارة المخاطر وتعزيز سلامة العمليات.
لدراسة إمكانية استخدام نظام مراقبة السائق في آليات منجمكم، يمكنكم التشاور مع خبراء بيستون كوير يزد.




